الأسطورة هي عبارة عن قصة قديمة أو مجموعة من القصص تم تداولها عبر الأجيال عن الأزمان القديمة ، وقد تكون في واقعها ليست قصصاً حقيقية ، لأن فيها من الخيال الشعبي مايتجاوز الواقع . وقد تكون الأسطورة متعلقة بأحداث محددة أو بأشخاص معيّنين ، ولذلك تبقى الأسطورة تشبه بمحتواها مايُعرَف بالحكايات الشعبية ، لأن أشخاصها وأبطالها غالباً مايكونون خارقين ، وتكون أحداثها عبارة عن تفسيرات لظواهر طبيعية تختلف بمضمونها عن الواقع الحقيقي .
وتتميز الأساطير بأنها تنتقل من جيل إلى آخر ، و بسردياتٍ مختلفة ، فمنها ما يتم سرده بقصائد شِعرية ومنها مايتم نقله بروايات محكية أو قصص مدوّنة ، إذ تهدف الأساطير إلى تقديم دروس لزيادة الخبرة أو لتسلية المُتلّقين . كأساطير الأوديسة والإلياذة لهوميروس ( Homer’s Odyssey) و قصص (الملك آرثر) لكريتيان دي تروا Chrétien de Troyes’ tales of King Arthur) .
أما الفرق بين الأسطورة وبين الحكاية الشعبية ، فإن الأساطير تكون دوماً بأسلوب أدبي راقٍ ، بينما يكون سرد الحكايات الشعبية باللغة المحكية ، لأنها مجرد حكايات شعبية من وحي الخيال ولا علاقة لها بالواقع ، بينما تحتوي الأساطير على أحداث هادفة كتواصل الإنسان مع العوالم الأخرى ، ولكنها تبقى بخيال أقل مما تحتويه الحكايات الشعبية ، حتى أنها قد تكون جزءاً من التاريخ الواقعي .
وتختلف الأساطير أيضاً بأنها ذات بُعدٍ فلسفي تنويري ومثيولوجي Philosophie der Mythologie وهي كما صنّفها الفيلسوف الألماني (فريدريش ڤيلهلم يوزف شيلنغ) صاحب كتاب “فلسفة الأساطير” ، حين يقول :
(هناك فارق كبير بين أن يخترع الإنسان الأسطورة ويصدّقها ، وبين أن وعيه لدلالاتها) .
ولو أن الإنسان عاش الأسطورة في بدايات وعيه ، فإنه يكون قد احتاج لزمن طويل قبل أن ينتقل إلى عملية تحليل الأسطورة وإدراك جذور ابتكاره لها عن طريق الشعراء ثم الفلاسفة فيما بعد ، واكتشف أنه إنما كان – من دون وعي واضح منه – يؤرخ في الأسطورة لنفسه ولكينونته ولوجوده في الكون . وفي هذا الإطار ، لابد وأن يكون وعي الأسطورة قد بدأ مع الفكر الفلسفي الإغريقي على الأقل ، لكن الأصح أن منهجة هذا الوعي وربطه بتاريخ الوعي والتجربة الإنسانيين قد وصلا إلى الذروة بدءاً من عصر النهضة الأوروبية ووصولاً إلى عصر التنوير ، حيث أفرد الفلاسفة مؤلفاتهم المهمة والتي من أبرزها كتاب “فلسفة الأساطير” للألماني (شيلِنغ) والذي لم يكن الأشهر في أعماله وحسب ، بل كان واحداً من أشهر الأعمال تناولت فلسفة الأسطورة ، وتحديداً من ناحية تناولها لشعور الإنسان بحاجته إلى اختراع الأسطورة وجعلها جزءاً أساسياً من حياته منذ بداية الوعي الإنساني وحتى قبل أن يخترع العقل البشري أي شيء آخر ، وقبل أن يتوصل إلى أية أفكار أخرى ، بما في ذلك الأفكار الدينية والعقائدية المعروفة اليوم . وقد اخترع الإنسان الحكاية التي كانت هي أسطورة في البداية . وعلى مرّ الزمن طوّر الإنسان علاقته بالأسطورة ، لتكون جزءاً أساسياً من تاريخ الوعي الإنساني وتعبيراً عن توق الإنسان إلى طرح أسئلته حول وجوده في هذا الكون وحول سرّ هذا الوجود ككل والقوى تسيّر هذا الوجود .
ويبدو أنه من البديهي أن يكون بحث الإنسان عن معنى الأسطورة قد تأخر كثيراً عن الزمن الذي وجدت فيه الأسطورة نفسها ، ولكن الأسئلة حول فلسفة الأسطورة قد طُرحَت منذ ما قبل (شيلنغ) وغيره من الفلاسفة الذين تناولوا دراستها ونشأتها في التاريخ الإنساني عموماً . أما فلسفة الأسطورة وربطها بوعي الإنسان ومن ثمّ منهجة تاريخها كجزء أساسي من أجزاء الوعي الإنساني فقد كان نتيجة تحوّل الإنسان من مخلوق فطري وعشوائي إلى إنسان واعٍ وباحثٍ لفلسفة وجوده . وفي هذا الإطار ربما يكون كتاب شيلنغ “فلسفة الأسطورة” واحداً من الكتب الأساسية التي ربطت الأسطورة بالتاريخ الإنساني . إلا أن (شيلنغ) لم يضع كتابه أصلاً على شكل نَصٍ منساب وذي وحدة عضوية واضحة ، لأنه كان مجموعة محاضرات ألقاها على جمهور عام في برلين عام 1842م في المرة الأولى ، ومرة أخرى بين العامين 1845 و 1846، وكان في ذلك الحين قد بلغ من الشهرة ما جعل جمهوراً غفيراً يُتابع محاضراته ويناقشه . وإذا كان (شيلنغ) في الكثير من محاضراته الأخرى قد جابه من قارعه الحجّة بالحجّة ، فإنه كان بمحاضراته المتعلقة بالأسطورة وتاريخها وفلسفتها سيداً متماسكاً لا يبدو أحد قادراً على محاججته إلى درجة أن بعض المتشيعين له ، في ذلك الحين ، أكّدوا بأنه قال الكلمة الفصل في ذلك المجال لأن منهجته كانت أمراً جديداً . على اعتبار أن منهَاجَ (شيلنغ) قد حدّد فلسفة التاريخ والأسطورة كعنصرين متكاملين في الشكل الذي أخذته محاضراته حين نشرت في كتاب مستقلٍ لاحقاً ، وقسّم العمل قسمين اثنين ، أولهما حول عقيدة (التوحيد) الذي شكل نوعاً من مقدمة فلسفية ثاقبة مهّدت للجزء الثاني والذي كان الأساس في مجال بحث فلسفة الأساطير . وفي القسم الثاني ، بدأ (شيلنغ) بتأكيد أن الأسطورة تخدم كأساس للوصول إلى فلسفة حقيقية يجب عليها أن تكون شيئاً آخر غير الصورة السائدة ، أي أن تكون شيئاً غير ذلك التتابع القصصي ، وعليها أن تحتوي على حقيقة خاصة بها وهي الحقيقة التي تكمن في واقع يوضح بأن الأساطير هي في الأصل (سيرورة إلهية – كونية) تتحقق داخل الوعي البشري ولا تنفصل عنه . ومبادئ هذه السيرورة هي نفسها مبادئ الكينونة الإنسانية ذاتها ، بمعنى سيرورة تطور العالم الشاملة والمطلقة . ومن هنا كان (شيلنغ) يرى أن أي مُسَلّمَة فلسفية اختزالية او استنباطية ، تقوم انطلاقاً من مختلف الابتكارات الأسطورية التي تَوصَّل إليها الوعي الإنساني ، وهي تصوّر الخالق بوصفه (إلهاً واحداً) أي إلهاً منطلقاً في ذاته ، وإن كان الوعي البشري قد وصل إلى هذا الأمر بأشكال وأساليب متنوعة . وإن الخالق ، تبعاً لهذا التصوّر ، هو قوة الكينونة المطلقة ، وهو التموضع الذاتي للكينونة (الروح) ، أو أنه يمثل التوليف بين الأبعاد الثلاثة مجتمعة . كما يرى (شيلنغ) أنه من أجل الوصول إلى هذه الكينونة وهي في خضم الفصل ، يتوجب أن يكون ثمة فعل ذو تأثير قوي هو فعل الإرادة الإلهية :
“إن الخالق هو الذي يريد ، وهو الإرادة ، إرادة الكينونة” .
وتتجلى هذه الإرادة عن طريق سيرورةٍ خلّاقة لها امتداداتها في الوعي البشري .
ويرى (شيلنغ) أن عملية الخلق الذاتي المتواصلة هي ما يدركه الوعي الإنساني في تطوره ويصوغها على شكل أساطير . لأن التاريخ في كينونته أكثر فلسفية من آلهة اليونان والرومان والهندوس القديمة التي سبقت الديانات التوحيدية . ويرى الباحثون المفسرون لأعمال (شيلنغ) أنها تنتمي إلى التاريخ الخالص من تاريخ الحضارات أكثر من انتمائها إلى الفلسفة أو حتى إلى تاريخ الفلسفة نفسها أو إلى فلسفة الأساطير . لأن هذا الجزء من كتاب (شيلنغ) هو الجزء الأضعف ، حتى وإن كان هو الجزء الأقل إثارة للسجال من غيره من الأجزاء .
ولأن الأسطورة يسودها الخيال وتبرز فيها قوى الطبيعة في شكل آلهة أو كائنات خارقة للعادة فإن استخدامها يشيع في التّراث الشعبي لدى مختلف الأمم ، لأنها تحتوي أحداثاً بشرية مفهومة من الراوي والمتلقي على حدٍّ سواء ، وتأخذ مكاناً مميزاً في التاريخ البشري وتحتفظ بصفات خارجة عن المعقول لتعطي انطباعاً بالشيء المحتمل من هدف سردها .
كما تتميز الأسطورة بعمقها الفلسفي الذي يُظهِر اختلافها عن الحكاية الشعبية ويجعلها كما العلوم اليوم ، أمراً مُسلّماً بحقيقة محتوياته . وربما تتغير الأساطير في ظاهرها خلال الوقت لإبقائها واقعية و متجددة . وهناك الكثير من الأساطير يمكن نقلها على احتمال الشك ولايمكن تصديقها بأكملها كما لا تُنفى مصداقية صحتها بالكامل .
وماتزال الأسطورة حتى اليوم مَعيناً وافراً بالرموز التي تمدُّ الفنان والشاعر والكاتب بالأفكار وبالمعاني والدلالات ، ولم يتوقف الأمر عند المبدعين وحسب ، بل استمال أيضاً علماء النفس مثل السويدي (سيغموند فرويد) ليؤسس من أسطورة (أوديب) منهاج تحليله النفسي الشهير ، وكذلك الذين يؤلفون سيمفونياتهم الخالدة من وحي الأسطورة وآفاقها الواسعة وغير المحدودة !
كما لم يتوقف استلهام تلك الأساطير في الآداب الغربية وحدها ، بل تعداها ليشمل أصقاعاً كثيرة من العالم ومن ضمنها العالم العربي . إلا أن الاستمتاع بالآداب وبالفنون التي تعتمد الأساطير في أحداثها يبقى منقوصاً في توفير متعة المتلقي وذلك نتيجة افتقاد الكثيرين لمعرفتهم بتلك الأساطير واستيعاب مقاصدها ، مما يفوِّت الكثير من المتعة والجمال .
وتاريخياً فإن الأسطورة سبقت في ظهورها كل الفنون الأدبية الأخرى .. لأن الكتابة والقراءة تأخرتا كثيراً عن ظهور الأسطورة . ولهذا فقد كان الاعتماد على الأساطير في مخاطبة الناس التي لاقت بأقاصيصها المقرونة بالخرافات قبولاً كبيراً وبصورة خاصة في البيئة الشعبية لدى كل المجتمعات ، وهو ما ألهب خيال الناس الذين كانوا يتوقون إلى تلقفها بشوق بالغ ليتناقلوها بعد أن يزيدوا عليها الشيء الكثير من نسج خيالاتهم الخاصة . وكثيرة هي الأساطير التي مازالت حَيّةً حتى اليوم ومازالت تعيش في وجدان عشاقها مثل أساطير الأبطال الشعبيين (الزير سالم وعنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن والشاطر حسن وألف ليلة وليلة) .. وغيرها من الأساطير المتنوعة في مواضيعها والتي يمكن تقسيمها إلى أنواع ثلاثة و هي :
1) – الأسطورة الطقـوسية :
وهي التي تمثل الجانب الكلامي لطقوس الأفعال والتي من شأنها أن تحفظ للمجتمع رخاءه .
2) – أسطورة التـــكوين :
وهي التـي تصوِّر عملية خلق الكون بكل مافيه من المخلوقات .
3) – الأسطورة التعليلية :
التي يحاول الإنسان البدائي تبرير ظاهرة كانت تستدعي إثبات نظرته عن طريق إسقاط الأسطورة على حَدَثٍ مُحدد حتى ولو لم يجد لها تفسيراً ، وهو مادفعه إلى خلق حكاية أسطورية ، تشرح سرّ وجود مايعجز عن تفسيره .
ومعروف بأن الإنسان البدائي لم يكن يشغل عقله في تفسير الظواهر الطبيعية ، حيث كان يعتبر الشمس والقمر والرياح والبحر والنهر بشراً مثله . ولهذا ظهرت أساطير الأولين لدى الكنعانيين والبابليين والفراعنة والرومان والأغريق والمايا . وكانت الأسطورة نتاج التفسير الساذج عند الشعوب البدائية لظواهر الطبيعة المختلفة التي كانت تصادفهم في حياتهم اليومية ، بحيث كانوا يضعون لكل ظاهرة ولكل نشاط يقومون به آلهةً خاصة وينسجون حولها قصصاً خيالية خارقة لدراسة كل مايكون خارجاً عن المألوف وخارقاً للعادات في صفات الإنسان والحيوان والطير . وحاول الإنسان فهم سبب حدوث أمور معينة كفهم سبب شروق الشمس وغيابها !! و مسببات الرعد و البرق . وكيفية خلق الأرض التي يعيشون فوقها ، أو كيف وُجدت البشرية أساساً .. وأين وُجدت أولاً ؟!.
ولما نزلت الرسالات السماوية صار الإنسان يمتلك الإجابات اليقينيَّة على تساؤلاته ، واستنبط النظريات العلمية لكثير من هذه التساؤلات عن الكون المحيط به ، وماعاد يفتقر المعرفة اللازمة لإعطاء الإجابات العلمية المنطقية والعقلانية الوافية حول تلك الأمور . ولأنه كان يفتقر ذلك في السابق ، فقد كان يفسِّر الأحداث المتعلقة بالطبيعة على شكل قصص عن الآلهة بذكورها وإناثها وعن الأبطال الخرافيين !!. وكان في فلسفة الإغريق قصصاً يفسرون بها وجود الشرّ والمشكلات الأخرى ، لأنهم كانوا يعتقدون بأن شرور العالم ومشكلاته محبوسة داخل صندوق مغلَق وهرب الناس عندما قامت بفتحه المرأة الأولى المسماة (باندورا) . ومثل هذه القصص تسمى أساطير .